الشيخ محمد رشيد رضا

136

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

حج ولا صيام . وما أفضى إلى هذا الضلال المبين إلا التوسع في باب التأويل ، ( فان قيل ) إن كلا من مثبتى رؤية الرب تعالى في الآخرة ونفاتها قد ادعى بعضهم أن النصوص التي يستدل بها على مذهبه قطعية ، حتى إن النافي جعل نصوص الاثبات دالة على النفي ، والمثبت جعل نصوص النفي دالة على الاثبات ، كقول بعض النفاة ان قوله تعالى ( إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ) يفيد الحصر بتقديم الجار والمجرور على المتعلق أي تنظر إلى ربها وحده دون سواه كقوله ( أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ - وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى ) أي لا إلى سواه . ولما كان عدم نظرها إلى غير ربها ممنوع عقلا ونقلا وجب حمل النظر على معناه الآخر وهو الانتظار بمعنى انها لا تنتظر الخير من غيره ( راجع الكشاف ) ويقابل هذا من بعض أهل الاثبات الاستدلال بقوله تعالى ( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ) على رؤيته تعالى من حيث إن الادراك معناه الإحاطة ، وادراك الابصار إنما احاطتها بالمرئي ، فنفي الادراك يستلزم اثبات رؤية لا ادراك فيها ، فكأنه قال لا تدركه الابصار التي تراه وهو يدرك الابصار التي يراها ويحيط بها . ونظيره قوله تعالى ( يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) أي هو يحيط بهم علما لأنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ( وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ ) وهم لا يحيطون به علما لان إحاطة المحاط به بالمحيط محال ، وهو يستلزم اثبات أصل العلم به لا نفيه كآية نفي ادراك الابصار ؛ وكل منها جار على قاعدة معروفة في اللغة وهي أن نفي المقيد يقصد به إلى القيد وان نفى وصف خاص لمعنى عام يستلزم إثبات ذلك العام كقولك : فلان لا يشبع - فإنه اثبات للاكل ونفى للشبع . هذا توجيه لهذا الاستدلال فتح اللّه تعالى به علينا وقد رأينا للشيخ تقي الدين بن تيمية توجيها آخر ملخصه أن اللّه تعالى ذكر هذه الآية في مقام التمدح وانما يكون المدح بالأوصاف الثبوتية لا بالعدم المحص ، وما تمدح تعالى بأمر سلبى أو عدمي إلا إذا تضمن معنى ثبوتيا كنفي السنة والنوم المتضمن لكمال القومية ونفي الموت المنضمن لكمال الحياة ، ونفي الشريك والظهير المتضمن لكمال الربوبية والإلهية ، ونفي الشفاعة عنده إلا باذنه المتضمن لكمال توحيده وغناه عن خلقه ، ونفي المثل المتضمن لكمال ذاته وصفاته . . . قال فكذلك نفى ادراك الابصار ليس معناه انه لا يرى بحال لان هذا يشاركه فيه العدم المحض والرب جل جلاله يتعالى أن يتمدح بما يشاركه فيه العدم المحض ، فالمعنى إذا أنه يرى